هشام جعيط
289
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
التي كانت تمسح بها الجثث ، أكثر مما كانوا مختصين في التحنيط بالمعنى الدقيق ) . ولا شك أن الجزارين كانوا يقيمون خارج الأسواق في السبخة حيث كانت لهم دار ورد ذكرها أول مرة أثناء ثورة زيد ( 122 ه ) « 1 » . وكان للحدادين أيضا مكان خارج مركز المدينة ، ولعله يقع بين الكناسة والمركز أو بأقصى غرب المركز « 2 » . وقد غمض أمر سوق الغنم ، عند تدوين الرواية بخصوص مقتل هانىء بن عروة ، علما أن ماسينيون حددها بأقصى خطة مذحج « 3 » . ولا يسمح النص باستخلاص هذا الأمر إطلاقا ، لكن المنطق الطوبوغرافي للأسواق قد يحملنا على وضعه خارج المركز . وبالفعل كانت أسواق الأغنام تقع بأطراف المدينة ، وهي بعيدة عن المساحة المركزية ، وكانت تشكل صنفا مغايرا من الأسواق له طابع خاص ، ووظائف مغايرة « 4 » . في حين أن الأسواق المركزية كانت بها صنائع نظيفة شريفة ، وقد شكّلت وحدة شاملة تفرّعت إلى وحدات أصغر فهي مركب لصنائع متميزة اندرجت في جغرافيا المركز . إنها سوق مفردة متفرعة إلى عدة أسواق . وكانت شبكة من النشاطات المتكاملة المتداخلة التي جسمها مفرق السكك التجارية المنفصلة بعضها عن بعض ، إذ تضمنت دروبا تغلق ليلا أو عند نشوب اضطرابات خطيرة « 5 » . والملاحظ أخيرا أن موقع سوق الصيارفة كان خارج المركز في الركن الجنوبي الغربي للمساحة المركزية قرب مسجد بني جذيمة ( عشيرة من عبس لا أسد كما روي ) « 6 » . هذا استثناء وجب التلميح إليه لما اكتساه هذا النشاط من أهمية وهو يفسر بأسباب دينية أو ظرفية . 2 ) الأسواق المحيطة . الكناسة والدور الجديد للحيرة إن مهمة الأسواق المركزية هي أن تنتج وتخزن وتبيع المنتوجات المصنوعة . وهي تنتمي إلى قطاع التجارة الخاصة وتعبّر عن الوجه الإيراني والوجه العراقي للكوفة . وكانت تتعاطى نشاطات من الصنف « الشرقي » . وقد تركز في دار الرزق ما كان يرجع بالنظر للدولة - جباية الضرائب على الإنتاج الزراعي وإعادة توزيعها في إطار الرزق « 7 » ، والغنيمة والرقيق خاصة - وبالكيفية ذاتها ، كانت كل علائق التبادل التجاري والبشري تتم بالكناسة
--> ( 1 ) أنساب الأشراف ، ج 3 ، ص 250 وما بعدها . ( 2 ) مقاتل . . . ، ص 136 ؛ الطبري ، ج 6 ، ص 106 . ( 3 ) Massignon , p . 53 . ( 4 ) مثل الكناسة . ( 5 ) الطبري ، ج 7 ، ص 182 . ( 6 ) فتوح البلدان ، ص 284 . ( 7 ) الطبري ، ج 6 ، ص 602 .